السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

189

مختصر الميزان في تفسير القرآن

واختلفت أحكامها ، وعنت الوجوه للحي القيوم ، فإله العالم الموجد له والمدبر لأمره واحد ( وهذا هو البرهان الثاني ) . ثم إن الإنسان الذي هو موجود أرضي يحيى في الأرض ويعيش في الأرض ثم يموت ويرجع إلى الأرض لا يفتقر في شيء من وجوده وبقائه إلى أزيد من هذا النظام الكلي الذي لمجموع هذا العالم المتصل تدبيره ، الواحد نظامه ، فهذه الأجرام العلوية في إنارتها وتسخينها ، وهذه الأرض في اختلاف ليلها ونهارها ورياحها وسحبها وأمطارها ومنافعها التي تجري من قطر إلى قطر من رزق ومتاع هي التي تحتاج إليها الإنسان في حاجته المادية وتدبير وجوده وبقائه - واللّه من ورائهم محيط - فإلهها الموجد لها المدبر لأمرها هو إله الإنسان الموجد له والمدبر لأمره ( وهذا هو البرهان الثالث ) . ثم إن هذا الإله هو الذي يعطي كلا ما يحتاج اليه في سعادته الوجودية وما يحتاج اليه في سعادته في غايته وآخرته لو كان له سعادة أخروية غائية فإن الآخرة عقبى هذا الدار ، وكيف يمكن أن يدبر عاقبة الأمر غير الذي يدبر نفس الأمر ؟ ( وهذا هو البرهان على الاسمين الرحمن الرحيم ) . وعند هذا تم تعليل الآية الأولى بالثانية وفي تصدير الآية بلفظة ، إن ؛ الدالة على التعليل إشارة إلى ذلك - واللّه العالم - . فقوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، إشارة إلى ذوات الأجرام العلوية والأرض بما تشتمل على تراكيبها من بدائع الخلق وعجائب الصنع ، من صور تقوّم بها أسمائها ، ومواد تتألف منها ذواتها ، وتحول بعضها إلى بعض ، ونقص أو زيادة تطرئها ، وتركب أو تحلل يعرضها ، كما قال : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ( الرعد / 41 ) ، وقال : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ( الأنبياء / 30 ) .